الشيخ محمد جواد البلاغي
35
الهدى إلى دين المصطفى
نذقه بعض ما يستحقه ، بل بعض العذاب المعد عند الله للأشرار ، فإن كل معذب شخصا كان أو صنفا إنما يعذب ببعض العذاب ، ويعذب غيره ببعض آخر ، أعاذنا الله من ذلك ببركة الإيمان والإخلاص في توحيده وتقديسه ، وبهذا تعرف إن شاء الله أن المتعرب يعيب المسك برياه . وقال لبيد بن ربيعة العامري : قالت غداة انتجينا عند جارتها * أنت الذي كنت لولا الشيب والكبر فحذف خبر ( كنت ) لنكتة آثرها ، وقال آخر : إذا قيل سيروا إن ليلى لعلها * جرى دون ليلى مائل القرن أعضب فحذف خبر ( لعل ) لنكتة آثرها أيضا ، وقال مساور بن هند بن قيس : زعمتم أن إخوتكم قريش * لهم ألف وليس لكم ألوف أولئك أوهنوا خوفا وجوعا * وقد جاعت بنو أسد وخافوا فاكتفى عن ذكر تكذيبهم بالحجة عليه . ومما ذكرناه تعرف الحسن والبراعة في قوله تعالى في سورة القصص 46 ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) فإنه طوى ذكر المستدرك بقوله تعالى ( ولكن ) لأجل تلألؤ المقام به وإشراقه على أرجائه ، وتركه ليستعذبه الفهم من المورد نهلا وعلا ، ويقتبسه من مشكاة البرهان ، ويكون هو الزعيم باستنتاجه والمستأنس ببرهانه ، لا كما يلقى عليه باللفظ ثقلا على وساوسه . وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى في سورة البقرة 67 : ( وإذ قتلتم نفسا فادارئتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون 68 فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) فقد ألقى حياة المقتول إلى الفهم بسبب ضربه ببعض البقرة السابق ذكرها ، ولقنه بها من سوق المورد وحججه بأحسن مما يلقيه إليها بفضول اللفظ ، كما لا يخفى إلا على تعصب المتعرب فانظر إلى شططه ( ذ ص 91 و 92 ) .